عادت الحياة الى سوق الكندرجية في صيدا!

عادت الحياة الى مهنة الإسكافي أو “الكندرجي” باللهجة اللبنانية، بعدما ساد الاعتقاد بأن مهنتهم أصبحت من الماضي، ففيما كانت هذة المهنة قد اندثرت في الأعوام الماضية، حيث غرقت الأسواق بالأحذية المستوردة ورخيصة الثمن، بالنسبة لقدرة اللبناني الشرائية ما ساعد على غياب الورش الصغيرة التي تعنى بصناعة الأحذية أو إصلاحها، وفي الماضي هذه الورش الصغيرة كانت تملأ الأسواق.
لكن اليوم عادت الروح لتنتعش في أنامل الإسكافي وعدّته ومطرقته ومساميره وكل ما يرافقه من تفاصيل، فحين تدخل إلى سوق “البازركان” الموجود في صيدا منذ أكثر من 500 عام ويمتد من “البوابة التحتا” قبالة القلعة البحرية غربا إلى “البوابة الفوقا” قبالة القلعة البرية جنوبا، موازيا عرض شارع “الشاكرية” الذي يرسم حدود المدينة القديمة سابقا حيث تتواجد محلات تصليح الأحذية، تراه يعج بالحركة والازدحام ما يلفت انتباهك الزحام عند محلات الكندرجية، فترافقك حيث تجولت داخل السوق أصوات “الشواكيش” تطرق على الأحذية بمسامير تعيد لها المتانة بعد استبدال نعولها، وماكينات الخياطة تدرز جوانبها ودواخلها لتعيد اليها رونقها.
وتعتمد هذه المهنة على عنصران أساسيان لا يمكننا الاستغناء عنهم وهم الخيط والابرة، بالإضافة إلى بعض ماكينات الخياطة وعدد من أنواع المسامير الصغيرة، فضلا عن الشاكوش، المقص، الشفرة، وبعض أنواع التلزيق الخاصة بها.
سوق الكندرجية
زاروب “القشلة” داخل أحياء صيدا القديمة الذي كان سابقا يعتبر سوق المدينة القديم لا يزال الى يومنا هذا يعج بالمحال التي تختص بمهنة “السكافية” وبات معروفًا باسم سوق “الكندرجية”، الذي يقصده المتسوقون ليس فقط من صيدا ومن داخل صيدا القديمة بل من مختلف المناطق المحيطة بالمدينة لا سيما من جزين وقرى إقليم الخروب وقضاء الزهراني، فيما تتداخل أصوات محترفي المهنة مع أصوات باعة الخضار والاسماك لترسم الحركة التي لا تهدأ داخل هذا السوق وتشكل وحدة متكاملة من نسيج الحياة.
وخلال جولة لي الى سوق الكندرجية في صيدا توقفت عند الكندرجي عبد الكريم البزري احد ابرز الذين يزاولون المهنة منذ نعومة اظافره ذو ال 68 سنة الذي إكتسب شهرة واسعة بفضل حسن معاملته ولسانه الحلو فقمت بطرح عليه بعض الأسئلة عن هذه المهنة فقال: ” ان قاعدة النجاح الاولى هي حب المهنة وعدم التعب منها، فمهنة “الكندرجي” مثل أي مهنة أخرى مصدر رزق ولها زبائنها، ورثت هذة المهنة عن أبي وأمارسها منذ أكثر من خمسين سنة منذ أن كنت شابًا، واليوم إبني “أحمد عبد الكريم البزري” عمره 27 سنة  أيضا يعمل معي ويساندني منذ أكثر من 9 سنوات، وحتى أنه هناك إقبال من جيل الشباب حيث عادوا ليتعلموا هذه المهنة، رغم أنها في الأعوام الماضية شهدت تراجعاً كبيراً، لكن الآن عاد سوقها ليزدهر في هذه الفترة حيث اضطر الكثير من الناس إلى صرف النظر عن شراء أحذية جديدة  فيقومون بإعادة إصلاح أحذيتهم القديمة وتجديدها بدلًا من شراء أحذية جديدة، وهذه المهنة نشطت كثيراً عن السابق بحدود الـ90 بالمئة.”
أضاف: “أصبح السوق يعج بالناس الذين يقصدوننا لتصليح الأحذية وليس فقط من أبناء الطبقات الفقيرة إنما من  مختلف فئات المجتمع اللبناني والمقيمين من فلسطينيين وسوريين باتت أحذيتهم ترمم وتخاط أكثر من مرة وحتى تصبغ ليعود الرونق اليها… لقد ولى زمن رمي الاحذية !”
هذه الحرفة المتوارثة جيلا عن جيل تشكل جزءا أصيلا من تاريخ مدينة صيدا ومعالمها الأثرية التي تأبى الاندثار. شكرًا للكندرجي الذي ينهال بشاكوشه على حذاء قاوم عفن الأيام، ويستغيث من قساوة الإسلفت ليقوم بعد ذلك بتبديل نعله ليبدأ رحلة جديدة مع الأيام القادمة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
Google+
Email
WhatsApp
Facebook
Telegram

Comments

mood_bad
  • No comments yet.
  • Add a comment